إصداراتنامقالات

إبراهيم أزوغ يكتب: سرديات البودكاست”الصحافة بعيون السياسة والذاكرة والتاريخ”

إبراهيم أزوغ/ أستاذ التعليم العالي بجامعة الحسن الأول، سطات

سرديات البودكاست شكل من الأشكال التعبيرية الجديدة في الإعلام العربي وحتى الغربي، ويقوم على الاستطراد والاسترسال في الكلام؛ حيث يوازي الصحفي خطوط موضوعه الرئيسة والفرعية معا، وينتقل من عموم القضايا إلى خاصتها ومن كلياتها إلى تفاصيلها الجزئية، من غير مُحاوَر أو بوجوده، وهي عملية صعبة تقوم على القدرة على الجمع للمعلومات وتصنيفها وترتيب تقديمها، والتنويع في صيغ عرضها بين التقرير والسرد والوصف التصريح والتلميح.
إن سردية البودكاست ليست فقط صيغة جديدة في التعبير عن الرأي في القضايا والموضوعات العديدة أو صيغة للإبلاغ والنشر لخبر ما، وليست شكلا صحفيا تعبيريا من الطبيعي أن تنتجه الطفرة التكنولوجية التي شهدها العصر الحديث في التواصل السيبراني وحسب، بل هو قبل كل ذلك وبفضل ما لقيه من تلق واسع، يُعتبر البودكاست صيغة لاستعادة الحق في التعبير خاصة في بلدان عرف فيها الحق في الكتابة عموما والصحفية على وجه الخصوص تضيقا وعرفت فيه حريات التعبير بأشكالها المختلفة تراجعا صارخا، ذلك على الأقل ما تشهد به الاتهامات والاعتقالات والأحكام التي لقيها توفيق بوعشرين وسليمان الريسوني وعمر الراضي وعلي أنوزلا واللائحة طويلة (….).
لكن هل معنى ذلك أن البودكاست لا يقع تحت عين الرقيب أو هو بعيد عن أذنه السميعة العليمة، الجواب طبعا لا، وذلك ما أكدته وتؤكده المتابعات الجائرة والتعسفية لحلقات المهداوي والقرصنة “التنبيهية” الأخيرة لقناة بوعشرين.
الصحافةُ بكل أشكالها وألوانها وبمختلف تجاربها المستقلة والنزيهة، في المجتمعات المتخلفة، بمجرد انتقالها من وظيفة نقل أخبار الحوادث والفضائح والتجارة والحرب وأخبار ما “تعتبره السلطة” جرائم (…) إلى صيغة للتعبير عن الرأي والنقد؛ عددت وظائفها: بين كونها مرآة للواقع وأداة لمواكبة تحولاته وتخطيطا لنبضه، ثم مساهما فعالا في نشر الوعي، وتنوير المواطن ومساعدته على فهم قضايا الوطن؛ السياسية والاجتماعية والثقافية، لتصبح اليوم، وخاصة البودكاست بما يتيحه من “حرية” وفضاء افتراضي واسع للتفاعل والحوار بين مختلف مكوّنات المجتمع وفئاته، منصة للتعبير عن الرأي والرأي الآخر؛ إنها بمعنى آخر أفق للتداول الديمقراطي للشأن العام، بدل الهيمنة الطاغية والامتداد المتوحش للسلطة والمال في كل أطراف البلد ومؤسساته.


إن البودكاست، اليوم في نماذجها المشرقة، والتي يديرها صحافيون يمتلكون أساسيات المهنة، وامتهنوا الصحافة لسنوات مما خول لهم مراكمة الخبرة والمعرفة والقدرة على تجميع المادة الصحفية والإعلامية ومتابعة الحدث، استطاعت أن تتجاوز المتابعة والتشخيص لما يستجد من أزمات وتحولات، إلى أن تشكل صيغة وسلطة لتمحيص المعطيات وكشف التناقضات التي تحملها بموازاة ما يتحقق وما لا يتحقق في المجتمع.
بهذا المعنى نعتقد أن الصحافة اليوم تضطلع بوظيفتين أساسيتين؛ أولاهما مساءلتها للحاضر وكشف تناقضات خطاب السلطة وسياساتها في علاقتها بالفعل والواقع، وبذلك فهي مؤسسة تقوم ضد السلطة، وثانيهما أن الصحافة صيغة جديدة للتأريخ للحاضر في جريانه واحصاء لأعطابه وأزماته وتسجيل لانتصاراته بأصوات ولغات مختلفة.

ذلك على الأقل ما يمكن أن نسجله حول الشكل الذي يقدمه توفيق بوعشرين في بودكاست كلام في السياسة، هذا البودكاست الذي يقوم على سرعة الإيقاع في التقديم، توازيه رغبة واضحة في الإحاطة والشمول في تقديم الخبر والتحليل وتمحيص المعطيات الموزاية له وتدقيقها بتقليبها على وجوهها المختلفة، معتمدا على معرفة بصيغ الخطاب وآليات تحليلها وكشف ما تنطوي عليه من إشارات وعلامات، وربطها بسياقاتها وشروطها، وبهذا الشكل نعتقد أن بوعشرين استطاع أن يعبر بالصحافة المغربية في شكلها الجديد البودكاست، من صحافة السبق في تقديم الخبر أو الاثارة به، إلى جعل ما يقدمه انشغالا كليا لا بالخبر نفسه بل بامتداداته وأثره، وقد كان قبل ذلك، إلى جانب لفيف من الصحفيين، ممن أسسوا للعمود الصحفي الجريء، وتفرقت بهم السبل والاختيارات، فكان منهم من غير لون شعر رأسه، ومن غير حلاقه وأنكر معرفته بحلاق درب الفقراء، ومنهم من خرج وقد أزال قبعته كاشفا عن قرع أصاب رأسه بفعل فاعل.
إن تجربة “البودكاست” الصحفية المغربية، تتجلى كاستعادة للحق في القول، بعد تحريم/ تجريم الفعل/ الحق في الكتابة على اعتبار أن الكتابة ترميز للوجود والخلود ومواجهة للزمن والزوال ورمز للمعرفة الأبدية ضد النسيان والتلاشي. فالمسألة إذن؛ ليست متصلة بتغير في الأدوات والحروف والوسائل بالوسائط والصور، بل يتعلق الأمر باستعادة الحق والشرعية بصيغة أخرى في التعبير والرأي. فكيف يمكن فهم هذه الاستعادة للفعل في الكلام وحق القول بالبودكاست؟
المرافعة بالبودكاست
يلاحظ المتابع أن البودكاست في المغرب يشهد خلال السنوات القليلة الماضية، انتشاراً واسعا سواء من حيث الإنتاج أو التلقي وخاصة من صفوف الشباب؛ الطلبة والباحثين والمبدعين والصحافين المستقلين ويُستعمل البودكاست كوسيلة للتعبير الحر ومناقشة قضايا اجتماعية وثقافية وسياسية بعيداً عن الإعلام الرسمي التقليدي. وقد ساهمت المنصات الرقمية المختلفة في توسيع جمهور البودكاست المغربي وتعزيز حضوره في الفضاء الإعلامي المغربي والعربي. وإذا كان همنا ينصب تحديدا على التجارب الصحفية المتميزة فإننا نعتبر تجربة توفيق بوعشرين ويونس مسكين وحمزة الفضيل وتجارب أخرى من بين تجارب كثيرة تعكس مهنية ونضجا، ودرجة عالية من الوعي بأهمية ممارسة الفعل الصحفي وأبعاده، وإذا كانت مجموع هذه التجارب لا تخفي سعيها إلى المرافعة بالبودكاست عن “مغرب السرعة البطيئة” فإنها جميعا تتابع الحدث والفعل السياسي والاجتماعي بالتحليل والمناقشة والرأي.
يقدم بوعشرين في بودكاست “كلام في السياسة” الذي قرر أن يمنحه عنوان كتاب مشهور للصحفي المصري الكبير محمد حسنين هيكل، وهي في حد ذاتها إشارة كافية لمحلل الخطاب للاقتراب من “خط التحرير” باعتباره مجموعة القواعد والمبادئ والتوجهات التي تحدد هوية ورؤية منبر إعلامي، مثالا لبودكاست المرافعة عن “مغرب السرعة البطيئة” بجرأة في التحليل والتصريح بالحقائق التي تَحُدُ إن لم تكن تمنع سرعة الوصول إلى إرساء معالم مجال اجتماعي وسياسي ديمقراطي يقوم على التنمية الحقيقية والعدالة الاجتماعية.


لا يخفي بوعشرين مستندا إلى رؤية واضحة للمتابع أن ما يعرضه قد يرتكز على التجربة/ التجارب والتاريخ/ التواريخ لبيان أن ما يعيشه المغربي والعربي في بلده اليوم، لا يمكن الخروج منه أو تجاوز أعطابه ما لم نؤمن بأن مستقبلنا لا يكمن فقط أمامنا بل قبله وبعده وراءنا في تاريخنا وتجاربنا. وأن السياسة في أرقى تعريفاتها فن إدارة شؤون الناس وتدبير أمور دنياهم بلسان صادق يطابق قوله الفعل، ويجعل قانونه ومبدأه خدمة الصالح العام. والصحافة كتابة في السياسة بعيون الذاكرة والتاريخ، مثلما أن السياسة بدورها ليست سوى “كتابة في التاريخ الجاري في وقائعه”.
يعتمد بوعشرين على بناء الخطاب في سردية البودكاست بناء يقوم على الاستقصاء والعرض تأكيدا على الإحاطة ثم على التحليل النقدي المؤسس أولا على قراءة معرفية للسياقات والشروط وثانيا على المقارنة، ولا نعدم في فقرات البودكاست اشراقات وجدانية ليست اعتباطية، بل تقصد بالأساس إلى اثارة المتلقي ورفع منسوب المتابعة للقول غاية اشعاره بكونه معنيا ومسؤولا عما قد يهدده أو يهدد غيره أو يهدد الوطن بكامله.
وبهذا المعنى يكون الصحفي كاتبا ومُحللا وشاهدا على التاريخ ممارسا للسياسة، بوقفاته لإطالة وإعمال العقل والتفكير والنظر والتعبير عن الرأي في أحوال المغرب والعالم، وتكون للبودكاست سردية مقصودة تتحدد في إعادة قراءة الأحداث السياسية الراهنة وربطها بسياقات تاريخية واجتماعية، سعيا إلى تقديم تفسير شخصي لما يجري في المشهد المغربي والعربي، والتأثير في وعي المتابع أو الرأي العام، وتوجيهه لبناء فهم نقدي للأحداث، أو لبناء موقف محدد من القضايا العامة التي تكون محط خلاف بين السلطة والمجتمع؛ وخاصة تلك التي تقرر فيها السياسات العامة ضدا على مصالح الشعب وامكاناته، لذلك فالراوي في البودكاست ليس محايدا، فالبودكاست أداة لتشكيل وجهة نظر وفق منظور محدد.
لذلك يتحدد البودكاست الصحفي ليس بوصفه شكلا تعبيريا بسيطا يعيد انتاج كلام المقاهي، بل قد يُؤدي وظيفة توجيهية وربما تحريضية للخروج والعصيان للسياسات العامة التي ترمي إلى جعل الخيار الذي تقدمه الحكومات المتعاقبة ووزاراتها الخيار الأنسب والمعقول والصالح للصالح العام، وليس يخفى على محلل الخطاب الفرق الواضح بين الرأي في القضية والموضوع، والموقف” تجاه القضية والموضوع باعتباره شيئا آخر”.
وتبعا للغاية والهدف تمزج لغة البودكاست بين الأسلوب الحواري البسيط والواضح، والأسلوب البلاغي القائم على التكرار للتأكيد على الرأي، وأحيانا أخرى على لغة تزاوج بين التهويل والاستفزاز لكسر الرتابة وتفعيل منطق الجدل والنقاش، إلى جانب صيغ أخرى لشد درجات الانتباه، مع تركيز بوعشرين على الحفاظ على قدر مهم من الفصاحة يجعل الخطاب يبدو جادا موجها، لكنه في الوقت ذاته لا يخفي الطابع الشخصي/ الذاتي وفي أحيان كثيرة الطابع الساخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
error: Content is protected !!